الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
139
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أجزائه إلى بعض ، وإلّا لم يتّسق ولم يستحكم ، وكذلك سائر ما ترى ، فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته وتمامه هو القديم ، فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون ، وما ذا كانت تكون صفته فبهتوا ، وعلموا أنّهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلّا وهي موجودة في هذا الّذي زعموا أنهّ قديم ، فرجعوا وقالوا : سننظر في أمرنا . ثمّ أقبل النبيّ صلى اللّه عليه وآله على الثنوية الّذين قالوا : إنّ النور والظلمة هما المدبّران . فقال : وأنتم ، فما الّذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا فقالوا : لأنّا وجدنا العالم صنفين : خيرا وشرّا ، ووجدنا الخير ضدّا للشرّ ، فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشيء وضدهّ ، بل لكلّ واحد منهما فاعل ، ألا ترى أنّ الثلج محال أن يسخّن ، كما أنّ النار محال أن تبرّد فأثبتنا لذلك صانعين قديمين : ظلمة ونورا . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وآله : أفلستم قد وجدتم سوادا وبياضا ، وحمرة وصفرة ، وخضرة وزرقة ، وكلّ واحد ضدّ لسائرها لاستحالة اجتماع اثنين منها في محلّ واحد ، كما كان الحرّ والبرد ضدّين لا يجتمعان في محلّ قالوا : نعم . قال : فهل أثبتّم بعدد كلّ لون صانعا قديما ، ليكون فاعل كلّ ضدّ من هذه الألوان غير فاعل ضد الآخر فسكتوا . ثمّ قال : وكيف اختلط النور والظلمة ، وهذا من طبعه الصعود وهذه من طبعها النزول ، أرأيتم لو أنّ رجلا يأخذ شرقا يمشي إليه والآخر غربا ، أكان يجوز أن يلتقيا ما داما سائرين على وجوههما قالوا : لا . قال : فوجب أن لا يختلط النور والظلمة لذهاب كلّ واحد منهما في غير جهة الاخراج ، فكيف حصل هذا العالم من المتزاج ما محال أن يمتزج ، بل هما جميعا مخلوقان مدبّران فقالوا : سننظر في أمرنا .